الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

232

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ولقد ذكرنا آنفا أن القسم في القرآن يستهدف مقصدين : الأول : بيان أهمية ما جاء القسم من أجله . والثاني : أهمية ما أقسم به القرآن ، لأن القسم عادة يكون بالمهم من الأمور من هنا تعمل هذه الأقسام على تحريك الفكر في الإنسان كي يمعن النظر في هذه الموضوعات الهامة من عالم الخليقة ، وليتخذ منها سبيلا إلى الله سبحانه وتعالى . " الشمس " ذات دور هام وبناء جدا في الموجودات الحية على ظهر البسيطة فهي إضافة إلى كونها مصدرا للنور والحرارة - وهما عاملان أساسيان في حياة الإنسان - تعتبر مصدرا لغيرهما من المظاهر الحياتية ، حركة الرياح ، وهطول الأمطار ، ونمو النباتات ، وجريان الأنهر والشلالات ، بل حتى نشوء مصادر الطاقة مثل النفط والفحم الحجري . . . كل واحد منها يرتبط - بنظرة دقيقة - بنور الشمس . ولو قدر لهذا المصباح الحياتي أن ينطفئ يوما لساد الظلام والسكوت والموت في كل مكان . " الضحى " في الأصل انتشار نور الشمس ، وهذا ما يحدث حين يرتفع قرص الشمس عن الأفق ويغمر النور كل مكان ، ثم يطلق على تلك البرهة من اليوم اسم " الضحى " ، والقسم بالضحى لأهميته ، لأنه وقت هيمنة نور الشمس على الأرض . والقسم الثالث بالقمر : والقمر إذا تلاها . وهذا التعبير - كما ذهب إلى ذلك جمع من المفسرين - إشارة إلى القمر حين يكتمل ويكون بدرا كاملا في ليلة الرابع عشر من كل شهر ، ففي هذه الليلة يطل القمر من أفق المشرق متزامنا مع غروب الشمس . فيسطع بجماله النير ويهيمن على جو السماء ، ولجماله وبهائه في هذه الليلة أكثر من أية ليلة أخرى جاء القسم به في الآية الكريمة . واحتمل بعضهم أن يكون في تعبير الآية إشارة إلى تبعية القمر بشكل دائم للشمس ، واكتساب النور من ذلك المصدر المشع ، غير أن عبارة والقمر إذا تلاها تكون في هذه الحالة قيدا توضيحيا .